الرجل الذي لا ينتظر_الفصل الاول _ سليم رمضان

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

​قال وهو يتحرك أمام الحضور: تخيل إنك شايل شنطة على ضهرك. في الأول، تحط فيها الحاجات المهمة: شغلك، بيتك، مسؤولياتك. بعدين تبدأ تضيف حاجات تانية: توقعات الناس منك، خوفك من إنك تزعل حد، العلاقات اللي بتفضل فيها علشان مش عايز تبدأ من الأول، والوعود اللي قطعتها من غير ما تفكر.

​توقف قليلا، ونظر إلى الحضور: ومع الوقت، الشنطة بتبقى تقيلة لدرجة إنك تنسى اصلا كنت رايح فين.
​بعض الحاضرين ابتسموا. آخرون أخرجوا هواتفهم لتصوير الشريحة.
​أكمل آدم: أنا اسألكم سؤال بسيط: لو كان لازم تمشي دلوقتي، تاخد معاك شنطة واحدة بس، إيه الحاجات اللي فعلا تستاهل الوزن ده؟

​رفع رجل في الصف الأمامي يده: العيلة.
​ابتسم آدم: إجابة جميلة. بس خليني أسألك سؤال أصعب: لو العيلة دي بقت سبب إنك مش قادر تتحرك، هتعمل إيه؟
​تبادل الرجل وزوجته نظرة سريعة. لم ينتظر آدم الإجابة.

​أكمل قائلا: إحنا ساعات نخلط بين الحب والالتزام، وبين المسؤولية وإننا نفضل محبوسين في مكان واحد. بنقنع نفسنا إننا لازم نعيش بطريقة معينة علشان الناس اللي حوالينا متتأذيش. لكن في الآخر، مين اللي بيعيش حياتك بدلًا منك؟

​كان يتكلم بثقة رجل لم يشك يومًا في فلسفته. أو هكذا بدا.
​بعد المحاضرة، اقترب منه شاب وقال: كلامك غير طريقة تفكيري. أنا طول عمري خايف أسيب شغلي علشان أهلي معتمدين عليّ. بس يمكن لازم أفكر في نفسي شوية.

​صافحه آدم: فكر كويس قبل أي قرار. الحرية مش معناها إنك تهرب من مسؤولياتك، معناها إنك تختارها بوعي.
​قال الشاب: غريبة. كنت فاكر إنك تقولي سيب كل حاجة وامشي.
​ابتسم آدم: أنا بقولك اختار حياتك بنفسك. مش لازم تختار حياتي أنا.
​غادر الشاب وهو يبدو أكثر ارتياحا.

​أما آدم، فعاد إلى غرفته في الفندق. خلع سترته، وعلقها بعناية، ثم وضع الحذاء بجوار الحقيبة. كانت الغرفة واسعة ونظيفة، والستائر الثقيلة تحجب أضواء المدينة. على الطاولة زجاجة ماء، وورقة صغيرة تحمل اسم الفندق، وبجانبها هاتفه الذي أضاء برسالة جديدة.

​كانت الرسالة من أخته ليلى: «آدم، محتاجين نتكلم في موضوع مهم. كلّمنا لما تفضى. وماتنساش إنك وعدتنا المرة دي.»

​قرأ الرسالة مرتين. لم يكن يحب كلمة وعد. الوعد يعني أن هناك شخصًا آخر ينتظر منك شيئًا. يعني أن وقتك لم يعد ملكك بالكامل، وأنك قد تضطر إلى تغيير خططك لأن شخصًا ما بنى أمله على كلمة قلتها يومًا.

​كتب ردا قصيرا: «هشوف جدول السفر وأكلمكم.»
​ثم توقف، ومسح الرسالة قبل إرسالها. لم يكن يريد أن يبدأ نقاشا في تلك الليلة.

​جلس على طرف السرير، وحدّق في النافذة. المدينة في الخارج لا تنام، لكنه شعر فجأة أن الغرفة أوسع مما ينبغي، وأن الصمت فيها ليس راحة كما اعتاد أن يقنع نفسه، بل مساحة فارغة لا يعرف كيف يملؤها.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Selim Ramadan

Selim Ramadan ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
3مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان