الفصل الثاني: الذي عاد من المــ,,ـــــوت لم يتحرك آدم منصور. ظل جالسا أمام الملف المفتوح، وعيناه معلقتان بالاسم المكتوب في أعلى الصفحة، كأن الحروف تحولت فجأة إلى شيء حي يراقبه من الورق.كان اسم واحد.
خمسة أحرف فقط، لكنها كانت كافية لتسحب منه سبعة عشر عامًا من الثقة والهدوء، تعيده إلى مكان ظن أنه دفــ,,ـــــنه إلى الأبد. يوسف منصور. أخوه الأكبر. الرجل الذي اختفى من حياته منذ سبعة عشر عامًا، ولم يترك وراءه سوى أسئلة كثيرة وإجابة واحدة صدقها آدم طوال تلك السنين: أن يوسف اختار الرحيل، وأنه لم يرغب في العودة أبدا.
رفع آدم عينيه نحو نورا فؤاد: إنت جبتي الاسم ده منين؟ لم تجب نورا على الفور. أغلقت الحاسوب المحمول، ثم وضعت يديها فوق الطاولة، وكأنها كانت تتوقع أن يبدأ اللقاء بهذا السؤال تحديدا.قالت: قبل ما أجاوبك، محتاجة أعرف حاجة واحدة. علاقتك بأخوك كانت إيه؟
ضحك آدم ضحكة قصيرة خالية من المرح: ده سؤال في مقابلة شغل؟ ولا إنت بتعملي تحقيق معايا؟ ردت بهدوء: اعتبره الاتنين. قال آدم: أنا مش فاهم إنت عايزة إيه بالضبط. دفعت نورا الملف نحوه قليلًا: أنا عايزة أفهم ليه موظف سابق في شركة اتقفلت من سنين، اسمه يوسف منصور، بعت طلبًا رسميًا لشركتنا من تلاتة أسابيع، وطلب فيه مقابلة شخصية معاك إنت تحديدا.
شعر آدم بشيء بارد يتحرك في صدـ,,ـــره: طلب مقابلة؟ معايا أنا؟ — أيوه. — وإيه اللي حصل بعد كده؟ نظرت نورا إلى الملف قبل أن تجيبه: الطلب اتسجل، وبعدها بيومين اتلغى. — مين اللي ألغاه؟ — مش واضح. مد آدم يده إلى الملف، وبدأ يقلب صفحاته بسرعة.
كانت هناك صور ضوئية لمراسلات داخلية، وبيانات وظيفية قديمة، وورقة تحمل تاريخًا يعود إلى ثلاثة أسابيع مضت. لكن الشيء الذي لفت انتباهه لم يكن الطلب نفسه، بل التوقيع الموجود أسفل الصفحة. توقيع يوسف. تذكره فورًا.
كان أخوه يكتب اسمه بطريقة غريبة، يمد الحرف آخر اسمه كأنه يرسم خطًا طويلًا تحت الماضي كله. كان يفعل ذلك حتى على الرسائل الصغيرة التي يتركها لآدم فوق المكتب. لم يكن هناك مجال للشك. رفع آدم رأسه ببطء: هو فين دلوقتي؟ قالت نورا: معرفش.
— يعني إنت جاية تقوليلي إن أخويا اللي مختفي من سبعتاشر سنة بعت طلب يقابلني، وبعدها اختفى تاني، وإنت مش عارفة مكانه؟ — أنا جاية أقولك إن فيه حد بيحاول يوصل لك من خلال الشركة، وإن حد تاني تدخل علشان يمنعه. ساد الصمت.
لم يعد آدم ينظر إلى نورا باعتبارها موظفة جديدة تحمل اقتراحًا لتطوير نظام العمل، بل أصبحت فجأة شخصًا يعرف شيئًا عن ماضيه، شيئًا لم يكن من المفترض أن يعرفه أحد في هذه الغرفة. قال بصوت منخفض: إنت تعرفي يوسف؟ — لأ. — قابلتيه قبل كده؟ — لأ.
— أمال إيه اللي مخليكي مهتمة بالموضوع ده؟ ترددت نورا للحظة، ثم قالت: لأن الشخص اللي ألغى الطلب استخدم بيانات دخول مش المفروض تكون متاحة له. — بيانات مين؟ نظرت إليه مباشرة: بيانات مديرك. لم يقل آدم شيئًا. كان يعرف مديره منذ تسع سنوات.
رجل دقيق، لا يترك ملفًا دون توقيع، ولا يسمح لأحد بالوصول إلى حسابه الشخصي. وإذا كان شخص قد استخدم بياناته لإلغاء طلب يوسف، فهناك احتمالان فقط: إما أن مديره يعرف شيئًا ويخفيه، أو أن شخصًا داخل الشركة يملك صلاحيات أكبر بكثير مما ينبغي.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.