الرجل الذي لا ينتظر_الفصل الاول _ سليم رمضان

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

​كانت الجملة بسيطة، لكنها استقرت في الغرفة كشيء ثقيل. للحظة، أراد آدم أن يقول شيئًا آخر. أن يخبره بأن هناك إجراءات يستطيع اتباعها، وأن أمامه فرصة للحصول على مستحقاته، وأن إنهاء الوظيفة لا يعني بالضرورة نهاية الطريق.

​لكنه أدرك أن كل تلك الكلمات، مهما كانت صحيحة، لن تجيب عن السؤال. فهو فعلا لا يعرف ماهر. لا يعرف زوجته، ولا ابنه، ولا الطريق الذي يسلكه كل صباح للوصول إلى المصنع. لا يعرف إن كان قد اشترى بيت بقرض طويل الأجل، أو إن كانت هناك مصاريف علاج تنتظره، أو إن كان قد أخبر عائلته يومًا أن وظيفته آمنة لأنه قضى فيها خمسة عشر عامًا.

​كان يعرف فقط كيف ينهي المقابلة. وهكذا فعل.
​مد يده إلى الملف، وقفله برفق، ثم قال: أنا عارف إن الكلام ده مش هيغير القرار، لكن لو احتجت مساعدة في الخطوات الجاية، تقدر تتواصل معايا من خلال البيانات اللي معاك.

​نهض ماهر ببطء. أخذ كوب القهوة، ثم توقف عند الباب: على فكرة يا أستاذ آدم، أنا كنت فاكر إن الشركة لما تستغنى عني، هتفتكر على الأقل إني كنت إنسان مش مجرد رقم.
​خرج وأغلق الباب وراءه.

​بقي آدم واقفا ثانيتين، ينظر إلى الكرسي الفارغ. ثم جمع أوراقه، ووضعها داخل الحقيبة، وغادر الغرفة. كان أمامه موعد آخر في اليوم نفسه، ولم يكن في عادته أن يسمح لمقابلة واحدة أن تفسد جدول يوم كامل.

​لكن في طريقه إلى المصعد، سمع صوتا خلفه: أستاذ آدم؟
​التفت. كان ماهر واقفا عند نهاية الممر، وقد وضع كوب القهوة على حافة النافذة. بدا كأنه تراجع عن فكرة الرحيل للحظة، أو أنه تذكر شيئًا لم يستطع تركه دون أن يقوله.
​اقترب منه آدم: أيوه يا ماهر؟

​تردد الرجل، ثم سأله: إنت بتحب شغلك؟
​لم يكن السؤال عن المستحقات، ولا عن القرار، ولا عن أي شيء يمكن العثور على إجابته داخل الملف. نظر آدم إليه طويلا، ثم قال: أنا شاطر فيه.
​ابتسم ماهر ابتسامة حزينة: أنا ما سألتكش إذا كنت شاطر فيه.

​فتح باب المصعد خلف آدم، وأضاء الرقم فوقه. كان بإمكانه أن يركب المصعد، وينهي الحديث، ويعود إلى حياته المعتادة. كان بإمكانه أن يقول أي جملة مناسبة، من تلك الجمل التي تعلم استخدامها حتى صارت جزءًا من شخصيته.

​لكنه لم يفعل. ظل واقفا أمام ماهر، يبحث عن إجابة لم يضطر إلى البحث عنها من قبل.
​أخيرًا، قال: مش عارف.
​هز ماهر رأسه، وكأنه كان يتوقع الإجابة: يبقى يمكن إحنا الاتنين محتاجين نراجع حساباتنا.
​ثم أخذ كوبه، ومضى في الممر.

​دخل آدم المصعد وحده. وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يفتح هاتفه ليتحقق من موعد رحلته التالية.
​في المساء، كان آدم يقف أمام جمهور صغير داخل قاعة فندق، يلقي محاضرة عن فلسفته المفضلة في الحياة. على الشاشة خلفه ظهرت صورة حقيبة سفر مفتوحة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Selim Ramadan

Selim Ramadan ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
3مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان