الفصل الأول: الرجل الذي لا ينتظر أحدًا
كان آدم منصور يؤمن أن الحياة تصبح أخف كلما قل ما يحمله الإنسان فوق كتفيه لم يكن يقصد الحقائب، ولا الملابس، ولا الأشياء التي تملأ خزائن البيوت. كان يقصد البشر، والوعود، والعلاقات، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإنسان مضطرا إلى العودة إلى مكان واحد، في وقت واحد، من أجل شخص واحد.
كان يؤمن أن الحرية الحقيقية تبدأ عندما لا يكون هناك أحد ينتظرك.
في الخامسة صباحاً، داخل أحد المطارات الأمريكية، كان آدم يتحرك بخفة رجل يعرف المكان أكثر من بيته. لم يكن ينظر إلى اللوحات الإرشادية، ولم يحتاج إلى سؤال أحد عن بوابته . كان يعرف أين يقف، ومتى يتحرك، وأي صف يختار، وكيف يمر من التفتيش بأقل قدر من الوقت والكلام،حقيبته صغيرة، سوداء، مرتبة بعناية.
لا شيء زائد فيها، ولا شيء ينقصه. قميصان، بدلة احتياطية، أدوات الحلاقة، حذاء خفيف، وشاحن هاتف.أما حياته، فكانت مرتبة بالطريقة نفسها.
لا زوجة تنتظره في المساء، ولا أطفال يسألونه لماذا تأخر. لا نباتات تحتاج إلى الماء، ولا حيوان أليف يفتقده إذا غاب أسبوع. كان لديه شقة هادئة لا يقضي فيها وقتا طويلا، وبطاقة ائتمان تمنحه امتيازات المسافر الدائم، ووظيفة جعلت المطارات والفنادق أقرب إلى وطنه من أي مدينة أخرى.
أخرج بطاقته، مررها على جهاز الفحص، ثم خلع حذاءه ووضعه في الصندوق دون أن ينظر إلى الموظف.
قال الموظف: صباح الخير يا فندم.
رد آدم بابتسامة قصيرة: صباح الخير.
وبعد دقائق، كان قد اجتاز البوابة، واستعاد حذاءه، أغلق حقيبته، ومضى نحو صالة الانتظار.
جلس بجوار النافذة، ووضع هاتفه على الطاولة، ثم فتح تطبيق شركة الطيران. رحلة جديدة. مدينة جديدة. فندق جديد.
كان يحب تلك اللحظة التي تسبق الإقلاع، حين يبتعد صوت العالم قليلا، وتصبح المدينة أسفل الطائرة مجرد مجموعة من الأضواء الصغيرة. من الأعلى، تبدو المشكلات أقل حجمًا، والناس أقل إزعاجا، والحياة كلها قابلة للطي والوضع داخل حقيبة صغيرة.
أغمض عينيه للحظة، و ابتسم. لم يكن يعرف أن اليوم الذي يبدأ بهذه السكينة سيضع أمامه سؤالا لن يستطيع الهروب منه بسهولة.
كانت وظيفة آدم غريبة بما يكفي لتجعل معظم الناس يحدقون فيه عندما يخبرهم بها. لم يكن طبيبا، ولا محاميا، ولا رجل أعمال يبيع شيئًا يمكن حمله في حقيبة. كان يعمل لدى شركة متخصصة في إدارة عمليات تسريح الموظفين.
عندما تقرر مؤسسة ما تقليص عدد العاملين فيها، تستعين الشركة التي يعمل بها برجال مثله، يسافرون إلى فروعها المختلفة، ويجلسون أمام موظفين لم يتوقعوا أن يأتي ذلك اليوم، ثم يخبرهم بأن وظائفهم انتهت.
كان آدم بارع في عمله. يعرف كيف يدخل الغرفة دون أن يبدو متعالي وكيف يختار كلماته بحيث لا تتحول المقابلة إلى شجار، وكيف يمنح الشخص المفصول ما يكفي من المعلومات ليعرف الخطوة التالية، من غير أن يقدم وعودا لا يستطيع الوفاء بها.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.