الرجل الذي لا ينتظر_الفصل الاول _ سليم رمضان

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

​كان يعرف أيضًا أن بعض الناس يغضبون، وبعضهم يبكي، وبعضهم يظل صامتا كأنه لم يفهم اللغة التي قيلت بها الكلمات. لكنه تعلم ألا يأخذ أيضا من ذلك إلى قلبه. على الأقل، هذا ما كان يقوله لنفسه.

​في ذلك الصباح، وصل إلى مقر شركة صناعية في مدينة بعيدة، واستقبله مدير الموارد البشرية عند الباب.
​قال المدير وهو يصافح: أستاذ آدم، شكرًا إنك جيت بالسرعة دي. إحنا مقدرين إن الموضوع مش سهل.
​رد آدم بهدوء: ولا يهمك. خلينا نبدأ.

​قاده إلى غرفة اجتماعات صغيرة. طاولة مستطيلة، ثلاثة كراس، إبريق ماء، ومناديل ورقية موضوعة في منتصف الطاولة كأن أحدهم كان يعرف مسبقا أن شخصًا ما سيحتاج إليها.
​راجع آدم الملف للمرة الأخيرة. ماهر عبدالسلام. خمسة عشر عامًا في الشركة. مشرف صيانة.

​لم يكن الملف مختلفا كثيرًا عن الملفات الأخرى، لكن آدم اعتاد أن يقرأ المعلومات قبل أن يدخل، وأن يعرف شيئًا عن الشخص الجالس أمامه. كان يؤمن أن الطريقة التي تنهي بها علاقة العمل قد تترك أثرا طويلا في حياة إنسان، حتى لو لم يكن هو صاحب القرار.

​فتح الباب، ودخل ماهر.
​كان رجلا في أواخر الأربعينيات، يرتدي قميص أزرق باهتا، وفي يده كوب قهوة ورقي. جلس وهو ينظر إلى المدير، ثم إلى آدم، ثم عاد ببصره إلى الملف الموجود أمامه.
​قال ماهر: خير؟ المدير قال لي إن فيه اجتماع مهم، بس محدش وضح لي الموضوع.

​أشار آدم إلى الكرسي المقابل: اتفضل يا ماهر. أنا آدم منصور، وجاي أتكلم معاك بخصوص تغييرات بتحصل في الشركة.​وضع ماهر كوب القهوة على الطاولة: تغييرات من نوع إيه؟​أخذ آدم نفس هادئا، ثم بدأ يتحدث بنبرة ثابتة، لا باردة تمامًا ولا دافئة أكثر مما ينبغي.

شرح القرار، والموعد، و المستحقات، والتأمين، والخطوات التي يمكن لماهر اتخاذها للبحث عن فرصة أخرى.
​ظل ماهر يستمع دون أن يقاطعه. وحين انتهى آدم، ساد الصمت.
​نظر ماهر إلى المدير وقال: يعني أنا ماشي؟
​أجابه المدير بصوت منخفض: أنا آسف يا ماهر. القرار اتخذ على مستوى الإدارة العليا.

​ضحك ماهر ضحكة قصيرة لم يكن فيها أي مرح: الإدارة العليا؟ أنا بقالي خمسة عشر سنة هنا. أنا اللي كنت باجي لما الماكينات تقف الساعة تلاتة الفجر.

أنا اللي دربت نص الناس اللي شغالين في القسم. لما ابني اتولد، أنا رجعت الشغل بعد يومين علشان كان عندنا عطل في خط الإنتاج.

​ثم التفت إلى آدم: إنت تعرفني اصلا؟
​لم يجب آدم فورا. كان السؤال مألوفا، لكنه في كل مرة كان يبدو مختلفا.
​قال أخيرًا: أنا أعرف اللي موجود في الملف قدامي، وأعرف إن القرار مش معناه إنك ما كنتش موظف كويس.
​هز ماهر رأسه ببطء: لأ. إنت تعرف ملف. مش تعرفني.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Selim Ramadan

Selim Ramadan ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
3مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان