الرجل الذي لا ينتظر _الفصل الثاني_سليم رمضان

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

كنت لسه هبعتلك. إيه رأيك في الاجتماع؟ ​لم يجلس آدم: مين استخدم حسابك علشان يلغي طلب يوسف منصور؟ ​توقفت يد المدير فوق لوحة المفاتيح. كانت لحظة صغيرة، لكنها لم تفُت آدم. رفع المدير عينيه إليه: إنت بتتكلم عن إيه؟ ​— عن طلب اتبعت للشركة من تلاتة أسابيع باسم يوسف منصور.

طلب مقابلة معايا، واتلغى باستخدام بيانات دخولك. ​أغلق المدير شاشة الحاسوب ببطء: مين قالك الكلام ده؟ ​— ده معناه إنك تعرف الموضوع. ​— مش بالضرورة. ​اقترب آدم من المكتب: أنا مش جاي أضيّع وقتك في لعبة أسئلة وأجوبة. عايز أعرف إذا كنت تعرف أخويا فين.

​بدا المدير وكأنه يريد الرد، لكنه تراجع عن الكلام في اللحظة الأخيرة، ثم قال: آدم، أنا أعرف إن علاقتك بأخوك كانت معقدة، لكن لازم تفهم إن بعض الملفات القديمة اتنقلت للشركة من مؤسسة تانية، وإحنا ما عندناش كل التفاصيل. ​— إنت بتتهرب. ​— أنا بحاول أحميك. ​ضحك آدم بمرارة: تحميني من إيه؟

من أخويا؟ ​لم يرد المدير. وللمرة الثانية في أقل من ساعة، شعر آدم أن الناس من حوله يعرفون جزءًا من حكايته، بينما هو الشخص الوحيد الذي لا يعرف القصة كاملة. ​أدار ظهره ليستعد للمغادرة، لكن صوت المدير أوقفه: آدم. ​التفت.

​قال المدير: لو وصل لك أي شيء من يوسف، ما تتصرفش قبل ما تتكلم معايا. ​— ليه؟ ​نظر المدير إلى الباب المفتوح، ثم خفض صوته: لأن آخر مرة ظهر فيها اسم أخوك في ملف رسمي، شخص اختفى بعدها بأسبوع.

​لم يسأل آدم عن اسم الشخص، فلم يكن بحاجة إلى ذلك. فجأة تذكر صورة قديمة كانت أمه تحتفظ بها في درج غرفة النوم: يوسف يقف بجوار رجل غريب أمام مبنى قديم، وفي الخلفية سيارة سوداء لم يعرف آدم يومًا لمن كانت.

وكان الرجل في الصورة هو مديره الحالي. ​في تلك الليلة، لم يذهب آدم إلى الفندق مباشرة. قاد سيارته إلى شقته، وصعد إلى الطابق السادس، ثم فتح الباب ودخل دون أن يشعل الأنوار. وضع المفاتيح على الطاولة، وخلع سترته، لكنه لم يقترب من المطبخ أو غرفة النوم.

كان يفكر في الصورة القديمة. لم يكن يعرف لماذا احتفظت أمه بها، ولا لماذا لم يسأل أباه عن الرجل الذي يقف بجوار يوسف. كان يظن أن الماضي انتهى بمجرد أن قرر ألا يتحدث عنه. ​لكن الماضي، كما اكتشف اليوم، لم يكن يحتاج إلى دعوة كي يعود.

​فتح درج المكتب وأخرج صندوقًا صغيرًا احتفظ فيه ببعض أغراض العائلة القديمة. وجد صورًا، ورسائل، وساعة يد متوقفة، ومفتاحًا نحاسيًا لا يعرف الباب الذي يفتحه. وفي أسفل الصندوق، كانت هناك صورة يوسف. ​جلس آدم على الأرض، وأسند ظهره إلى المكتب. كان أخوه في الصورة يضحك، واضعًا ذراعه حول كتفيه.

كان آدم أصغر سنًا، شعره أطول، ووجهه خاليًا من ذلك التعب الذي صار جزءًا من ملامحه. ​تذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يوسف قد وعده أن يصطحبه في رحلة بالسيارة إلى مدينة ساحلية. قضيا ساعات يتحدثان عن المستقبل، وعن السفر، وعن الحياة التي سيعيشانها بعيدًا عن كل القيود.

وقبل أن يرحل يوسف بأيام، قال له جملة لم يفهمها آدم وقتها: «أوعى تصدق إن كل اللي بيختفي بيكون اختار يمشي.» ​وقتها، ضحك آدم وسأله: أمال بيختفي ليه؟ ​نظر يوسف إليه طويلًا، ثم قال: ساعات بيكون فيه حد مش عايزه يرجع.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Selim Ramadan

Selim Ramadan ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
3مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان