أوقف سيارته بعيدًا، وأطفأ الأنوار، ثم أخرج كشافًا صغيرًا من درج السيارة، وتقدم مشيًا على الأقدام نحو المبنى المحدد.
كان الباب الحديدي الرئيسي للمبنى نصف مفتوح، تمامًا كما في الصورة التي وصلته عبر الرسالة النصية.
دفع الباب ببطء. أصدر الباب أزيزًا حادًا هز صمت المكان.
سار آدم داخل الممر المظلم. كانت رائحة الرطوبة والأوراق القديمة تملا الجو. وجه ضوء الكشاف نحو الجدران، فرأى ملصقات قديمة لشركات شحن وإعادة تدوير، بعضها يحمل لوجو مشابهًا للوجو الشركة التي يعمل بها حاليًا.
في نهاية الممر، كان هناك ضوء خفيف ينبعث من غرفة صغيرة.
تقدم آدم بخطوات حذرة، حتى وصل إلى الباب.
داخل الغرفة، كانت تجلس امرأة على كرسي خشب قديم، حاسوبها المحمول مفتوح على طاولة صغيرة، وأمامها كوب قهوة ورقي يتصاعد منه البخار.
رفعت رأسها عندما أضاء الكشاف وجهها.
كانت نورا فؤاد.
قالت نورا بهدوء دون أن تفزع: أخيرًا جيت يا آدم. كنت فاكرة إنك هتردد.
أخفض آدم الضوء عن وجهها وقال بصوت مشدود: إنتِ بتعملي إيه هنا يا نورا؟ ومين إنتِ بالظبط؟
أغلقت نورا حاسوبها المحمول، ونظرت إليه بجدية: أنا الشخص اللي جاي يصلح الغلطة اللي اتعملت من سبعتاشر سنة.
خطا آدم نحوها: المظروف اللي استلمته قال إنك مش غريبة عن العيلة. ده معناه إيه؟
تنهدت نورا، ووقفت من على الكرسي: معناه إن يوسف منصور… كان جوز أختي الله يرحمها.
توقف آدم في مكانه، كأن الكلمات أطلقت شحنة كهربائية في جسده.
قال بعد لحظة صمت: يوسف كان متجوز؟
نظرت نورا في عينيه مباشرة: أيوه. وكان عنده بنت. بنت عندها دلوقتي سبعتاشر سنة.
شعر آدم بقدميه تثقلان. تذكر فلسفته عن الحرية، وعن عدم تحمل أثقال الآخرين، وعن الحقيبة الخفيفة التي لا تحتوي على التزامات. تذكر كيف كان يهرب من كل شيء يربطه بشخص أو مكان.
قال بنبرة خافتة: يوسف عنده بنت؟ وليه محدش قال لي؟ ليه ليلى ما قالتليش؟ ليه المدير خبا؟
ردت نورا بمرارة: لأن أخوك ما اختفاش بملء إرادته يا آدم. أخوك اكتشف إن الشركة اللي إنت شغال فيها دلوقتي كانت بتمارس عمليات اختلاس وتزوير ضخمة تحت غطاء إدارة الأزمات وتسريح الموظفين.
ولما هدد إنه يبلغ، اختفى. وأبوك وأمك خدوا قرار لحمايتك إنت وليلى… قرروا يدفنوا الحقيقة ويقولوا إنه هرب وسبكم.
وضع آدم يده على الطاولة ليستند.
سألها: والبنت فين دلوقتي؟
قبل أن تجيب نورا، سمعا صوت خطوات ثقيلة تقترب بسرعة من الممر الخارجي.
التفت آدم ونورا نحو الباب.
ظهر رجل عند مدخل الغرفة، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، لكن يده كانت تحمل سلاحًا ناريًا خفيفًا.
كان مديره في الشركة.
قال المدير ببرود وهو يوجه السلاح نحوهما: كان المفروض تفضل في المطار يا آدم. السفر كان دايماً أسهل لك… وأبرك للكل.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.